مؤسسة آل البيت ( ع )
21
مجلة تراثنا
الواقعيات المتضادة للكمال : فإذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة وكمال الشريعة الإسلامية ، وجب أن تتقارب الخطى والمواقف بين المسلمين ، ويقل الخلاف والنقاش بينهم ، ويجتمع الكل على مائدة القرآن والسنة من دون أن يختلفوا في عقائدهم ، ولا أن يتشاجروا في تكاليفهم ووظائفهم . ولكننا - مع الأسف - نشاهد في حياة المسلمين أمرا لا يجتمع مع هذا الكمال ، بل يضادده ويخالفه ، بل وينادي بظاهره بعدم كماله من حيث الأصول والفروع ، وينادي بأن الرسول صلى الله عليه وآله ما جاء بشريعة كاملة جامعة الأطراف شاملة لكل شئ ، وتلك الحقيقة المضادة لحديث الكمال هي الاختلافات الكبيرة والخلافات العريقة ، التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بل قبيلها أيضا . فقد صاروا في أبسط المسائل إلى معقدها إلى اليمين واليسار ، وافترقوا فرقتين أو فرق حتى انتهوا إلى سبعين فرقة ، بل إلى سبعمائة فرقة . فهذا هو التاريخ يحدثنا أن أول تنازع وقع في مرضه ( عليه الصلاة والسلام ) ، هو ما رواه البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ، قال : لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه ، قال : إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ، فقال عمر ( رضي الله عنه ) : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله وكثر اللغط ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع ، قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين رسول الله ( 1 ) . ولم ينحصر الخلاف في أخريات حياته ، بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش أسامة ، حيث أنه ( صلى الله عليه وآله ) أمر أسامة بأن يسير إلى النقطة التي سار إليها أبوه من قبل ، وجهز له جيشا وعقد له راية فتثاقل أكابر الصحابة عن المسير معه لما رأوا مرض النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو يصر على مسيرهم ، حتى أنه خرج معصب الجبين ، وقال جهزوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلف عنه ( 2 ) .
--> ( 1 ) صحيح البخاري ج 1 - باب كتابة العلم ص 25 ، وأيضا ج 4 كتاب الجهاد باب جوائز الوفد ص 65 ، وصحيح مسلم ج 5 كتاب الوصية ، باب ترك الوصية ص 76 ( 2 ) الملل والنحل للشهرستاني المقدمة الرابعة ج 1 ص 23 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 20 .